الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
20
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
أرادت ؟ كلّا ، ثمّ كلّا ، إنّ بين جنبيه وفي رأسه جوهرين مجرّدين عن فواعل الطبيعة مؤثّرين فيها غير متأثّرين بها ، فاز بهما الإنسان ، وحُرمت هي منهما ، فبقيت ضِماراً « 1 » لا توجد وجماداً لا تحسّ . الإنسان ابنها بالأمس ، ومليكها اليوم ، وإلاهُها في الغد . أفيجديه ذلك درءاً لخطوبها ودرعاً لصروفها وجنّةً له من وخزات حوادثها ونخسات كروبها ومبيدات زعازعها وكاسحات قوارعها ؟ ! من لك - أيّها الإنسان - بقلبٍ فولاذيّ كلّما رضخته رواضخ الطبيعة بصخورها ازداد صلابة واشتدّ تماسكاً ؟ ! من لك بالثبات الذي تقف به أمام تلك الزعازع راسخ القدم ثابت الجنان هادئ البال ، تزول الرواسي ولا تزول ، وترتجف الخضارم ولا ترتجف ؟ ! من لك أن تقف ريثما تسكن زوابعها وتركد أعاصيرها ، ويعود سمومها لك نسيماً وجاحمها نعيماً ؟ ! من لك بذلك وأنت ذاك الترِفُ الغضّ الذي اغتررت بغضارة العيش ونضرة النعيم وزخارف الطبيعة ، وركنتَ إلى الدعة ، وألفتَ الراحة والسعة ، ولم تحسب لغير هذا الحال حساباً ولا أعددت لغيره عتاداً ، حتّى تفاجئك تلك الملمّات بغتة وتأخذك على غرّة ، فتندهش لها مذعوراً وتموت بين يديها قبل موتك رعباً ؟ ! فأنت في بُلهنية « 2 » العيش وعنجهية الغرور ، وهي من ورائك بالمرصاد ، لا
--> ( 1 ) الضِمار : الغائب الذي لا يُرجى عوده . ( المصباح المنير 364 ) . ( 2 ) البُلَهنِية : سعة العيش والخِصب . ( تهذيب اللغة 6 : 283 ) .